محمد جواد مغنية

403

في ظلال نهج البلاغة

أم حديث من كنت مولاه - فإن اللَّه سبحانه قد استجاب دعوته باتفاق الرواة ، ومعنى هذا ان أحد الحديثين ثابت بشهادة اللَّه وآيته الساطعة في جبهة انس بن مالك . . هذا ، إلى أن الحديثين ثابتان بالتواتر . ( أنظر كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة ، الفصل 38 و 152 من المقصد الثاني ) . 312 - إنّ للقلوب إقبالا وإدبارا فإذا أقبلت فاحملوها على النّوافل ، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض . المعنى : المراد بالإقبال هنا حضور القلب ، وتصوّر الموت وسكراته ، والقبر ووحشته ، وهول الموقف غدا وحسابه ، والخوف من اللَّه وعظمته ، والهيبة من مخاطبته ، والمراد بالإدبار الذهول عن ذلك والانصراف إلى دنيا شاغلة لاهية . وفي المناجاة والعبادة نكهة وحلاوة لا يحسها أحد كائنا من كان إلا مع هذا الإقبال تماما كالطعام الطيب لا تشعر بلذته إلا مع الهوى فيه . ويقول الإمام : إذا صادفتك ساعة رحمانية ، تصورت فيها مصيرك وآخرتك ، وخفت من عذاب اللَّه ، ورجوت ثوابه - فاغتنم هذه الفرصة الذهبية ، وأكثر من ذكر اللَّه ، وادعه وناجه ، واتل من آياته ، وصلّ النوافل وعقّب وسبّح ، ولا تقتصر على الفريضة وحدها . . وإذا كنت في مشغلة شاغلة عن اللَّه وناره وجنته فلا تتعب نفسك بحركات جافة جامدة لا تدفع عنك ضرا ، ولا تجلب لك نفعا . . ولكن إياك والتهاون في الفريضة مقبلا كنت أم مدبرا ، لأن اللَّه أمر بها بلا قيد الإقبال ، ولا بد من الطاعة على كل حال . ويئفق هذا مع قول الفقهاء بأن العبادة على قسمين : عبادة تؤديها على شرطها ، ولكن بلا إقبال ، وهذه صحيحة مجزية كافية ، ولكنها غير مقبولة أي تسقط عنك التكليف وتحررك من العقاب والمسئولية ، ولكن لا تستحق الثواب عليها . وعبادة تجمع كل ما يعتبر فيها مع الإقبال التام ، وهذه صحيحة ومجزية ومقبولة أيضا أي تستحق عليها الأجر والثواب من اللَّه تعالى .